ابن رشد

247

تهافت التهافت

صادرة عن علم ، وكل ما صدر عن علم وحكمة فهو صادر بإرادة الفاعل لا ضروريا طبيعيا . إذ ليس يلزم عن طبيعة العلم صدور الفعل عنه كما حكى هو عن الفلاسفة لأنه إذا قلنا : إنه يعلم الضدين لزم أن يصدر عنه الضدان معا وذلك محال . فصدور أحد الضدين عنه يدل على صفة زائدة على العلم وهي الإرادة . هكذا ينبغي أن يفهم ثبوت الإرادة في الأول عند الفلاسفة فهو عند هم عالم مريد عن علمه ضرورة . وأما قوله : إن الفعل قسمان : إما طبيعي ، وإما إرادي فباطل . بل فعله عند الفلاسفة لا طبيعي بوجه من الوجوه ، ولا إرادي بإطلاق . بل إرادي منزه عن النقص الموجود في إرادة الإنسان . ولذلك اسم الإرادة مقول عليهما باشتراك الاسم ، كما أن اسم العلم كذلك على العلمين القديم والحادث . فإن الإرادة في الحيوان والإنسان انفعال لا حق لهما عن المراد ، فهي معلولة عنه . هذا هو المفهوم من إرادة الإنسان والباري سبحانه منزه عن أن يكون فيه صفة معلولة ، فلا يفهم من معنى الإرادة إلا صدور الفعل مقترنا بالعلم . فإن العلم كما قلنا بالضدين ، ففي العلم الأول بوجه ما علم بالضدين ففعله أحد الضدين دليل على أن هاهنا صفة أخرى وهي التي تسمى إرادة . الوجه الثاني : قال أبو حامد : وهو أنا نسلم أن صدور الشيء عن الفاعل يقتضي العلم بالصادر . فعندهم فعل اللّه تعالى واحد وهو المعلول الذي هو عقل بسيط فينبغي أن لا يكون عالما إلا به والمعلول الأول يكون عالما أيضا بما صدر منه فقط ، فإن الكل لم يوجد من اللّه تعالى دفعة بل بالوسائط والتولد واللزوم ، فالذي يصدر مما يصدر منه لم ينبغ أن يكون معلوما له ولم يصدر منه إلا شيء واحد . بل هذا لا يلزم في الفعل الإرادي فكيف في الطبيعي . فإن حركة الحجر من فوق جبل قد يكون بتحريك إرادي يوجب العلم بأصل الحركة ولا يوجب العلم بما يتولد منه بواسطة من مصادمته وكسره غيره . فهذا أيضا لا جواب لهم عنه . قلت : الجواب عنه أن يقال : إن الفاعل الذي علمه في غاية التمام يعلم ما صدر منه وما صدر من ذلك الصادر إلى آخر ما صدر . فإن كان الأول في غاية العلم فيجب أن يكون عالما بكل ما صدر عنه بوساطة أو بغير وساطة وليس يلزم عنه أن يكون علمه من جنس علمنا لأن علمنا ناقص ومتأخر عن المعلوم . ثم قال أبو حامد : مجيبا عن الاعتراض الذي اعترض على الفلاسفة فقال :